Share
  تنزيه الله عن المكان: من الحديث  

تنزيه الله عن المكان: من القرءان

  تعريف المكان والجهة  

الأشاعرة والماتريدية

  الحبيب محمد  
 
  تنزيه الله عن المكان: القرن   7 - 8 - 9  الهجري   تنزيه الله عن المكان: القرن   4 - 5 - 6  الهجري   تنزيه الله عن المكان: القرن   1 - 2 - 3  الهجري  
 
  تنزيه الله عن المكان: من الإجماع   تنزيه الله عن المكان: القرن   13 - 14- 15  الهجري   تنزيه الله عن المكان: القرن   10 - 11 - 12  الهجري  
 
  بيان أنه لا يجوز القول: الله في كل مكان   حكم من ينسب لله المكان والجهة   تنزيه الله عن المكان: الدليل العقلي  
 
 
 
 

اعلمْ أنَّ عقيدةَ المسلمينَ سَلَفًا وخلفًا بلا شكٍّ ولا رَيبٍ أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى هو خالقُ العالَمِ، قائمٌ بنفسِهِ مستغنٍ عن كلِ ما سواهُ، فكلُنا نحتاجُ إلى اللهِ ولا نستغني عنهُ طرفةَ عينٍ، واللهُ تعالى لا يحتاجُ لشىءٍ من خلقِهِ، ولا ينتفعُ بطاعاتِهِم ولا ينضرُّ بمعاصيهم، ولا يحتاجُ ربُنا إلى محلٍ يَحُلُّهُ ولا إلى مكانٍ يُقِلُّهُ، وأنهُ ليس بجسمٍ ولا جوهرٍ.

واعلمْ أن الحركةَ والسكونَ والذهابَ والمجيءَ والكونَ في المكانِ، والاجتماعَ والافتراقَ، والقربَ والبعدَ من طريقِ المَسافةِ، والاتصالَ والانفصالَ، والحجمَ والجِرْمَ، والجثةَ والصورةَ والشكلَ والحيِّزَ والمِقدارَ والنواحيَ والأقطارَ والجوانبَ والجهات كلَّها لا تجوزُ عليهِ تعالى لأن جميعَها يُوجِبُ الحدَّ والنهايةَ والمقدارَ ومن كانَ ذا مقدارٍ كانَ مخلوقُا، قال تعالى {وكلُّ شىءٍ عندَهُ بِمِقدارٍ} (سورة الرعد/8).

واعلمْ أن كلَّ ما تُصُوِّرَ في الوهمِ من طولٍ وعرْضٍ وعمقٍ وألوانٍ وهيئاتٍ يجبُ أن يُعتقدَ أن صانعَ العالمِ بخلافِهِ أي لا يشبهه، وأنه تعالى لا يجوزُ عليهِ الكيفيةُ ولا الكميةُ ولا الأينيةُ لأن مَن لا مِثلَ له لا يجوزُ أن يُقالُ فيهِ كيفَ هو، ومن لا عددَ لهَ لا يجوزُ أن يقالَ فيه كم هو، ومن لا أولَ لهُ لا يُقالُ فيهِ مِمَّ كانَ، ومن لا مكانَ لهُ لا يقالُ فيهِ أين كانَ، فإن الذي أيَّن الأينَ لا يقالُ لهُ أينَ، والذي كيّفَ الكيفَ لا يُقالُ له كيف.

فاللهُ تعالى مقدَّسٌ عنِ الحاجاتِ، منزَّةٌ عن العاهاتِ، وعن وجوه النقصِ والآفاتِ، متعالٍ عن أن يُوصَفَ بالجوارحِ والآلاتِ، والأدواتِ والسكونِ والحركاتِ، لا يليقُ به الحدودُ والنهاياتُ، ولا تحويهِ الأرضونَ ولا السمواتُ، ولا يجوزُ عليهِ الألوانُ والمماسّاتُ، ولا يجري عليهِ زمانٌ ولا أوقاتٌ، ولا يلحقُهُ نَقصٌ ولا زياداتٌ، ولا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعاتِ، موجودٌ بلا حدٍ، موصوفٌ بلا كيفٍ، لا تتصورُهُ الأوهام، ولا تُقدّرُهُ الأفهام، ولا يُشبهُ الأنام، بل هو الموجود الذي لا يشبهُ الموجوداتِ، واحدٌ في ملكِهِ فلا شريكَ له.

واللهُ سبحانَهُ وتعالى خالقُ العالمِ بأسرِهِ عُلويّهِ وسُفليِّهِ والأرض والسمواتِ، قادرٌ على ما يشاءُ، فعالٌ لما يريدُ، موجودٌ قبلَ الخلقِ ليس لهُ قبلٌ ولا بعدٌ ولا فوقٌ ولا تحتٌ ولا يمينٌ ولا شمالٌ ولا أمامٌ ولا خلفٌ ولا كلٌّ ولا بعضٌ ولا طولٌ ولا عرضٌ، كان ولا مكانَ، كوَّن الأكوانَ ودبّرَ الزمانَ، لا يتخصّصُ بالمكانِ، ولا يتقيّدُ بالزمانِ، ليسَ بمحدودٍ فيحدَّ، وليسَ بمحسوسٍ فيجسَّ، لا يُحسُّ ولا يُمسُّ ولا يُجسُّ.

وكلُ ما كانَ من معاني الأجسامِ وصفاتِ الأجرامِ فهو عليهِ تعالى مُحالٌ، وكلُّ ما وردَ في القرءانِ أو السُّنةِ وصفًا للهِ تعالى فهو كما وردَ وبالمعنى الذي يليقُ باللهِ تعالى بلا تكييفٍ ولا تمثيلٍ ولا تشبيهٍ.

ولا يجوزُ حملُ المتشابه من الآياتِ والأحاديثِ على ظواهرها، ومن فعلَ ذلكَ فقد كذّبَ القرءانَ وخرجَ عن إجماعِ الأمةِ الإسلاميةِ.

وفي ذلكَ يقولُ
شيخُ الإسلامِ الحافظُ البيهقيُّ "وفي الجملةِ يجبُ أن يُعلمَ أن استواءَ اللهِ سبحانهُ وتعالى ليسَ باستواءِ اعتدالٍ عن اعوجاج، ولا استقرارٍ في مكانٍ، ولا مماسةٍ لشىءٍ من خلقهِ، لكنه مستوٍ على عرشِهِ كما أخبرَ بلا كيفٍ بلا أينٍ، وأن إتيانَه ليس بإتيانٍ من مكانٍ إلى مكانٍ، وأن مجيئَهُ ليس بحركةٍ، وأن نزولهُ ليس بنُقلةٍ، وأن نفسَهُ ليس بجسمٍ، وأن وجههُ ليس بصورةٍ، وأن يدَهُ ليست بجارحةٍ، وأن عينَهُ ليست بحدقةٍ، وإنما هذه أوصاف جاءَ بها التوقيفُ فقلنا بها ونفينا عنها التكييفَ، فقد قال تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وقال {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}، وقال {هل تعلمُ لهُ سميًّا}"، انتهى من كتابِهِ الاعتقادُ والهدايةُ ص/72.

وعلى هذا الاعتقاد إجماعُ أهلِ الإيمانِ، ونقلَ هذا الإجماعَ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ 5/24ـ طبعةُ دارِ الفكرـ بيروت عن
القاضي عياضٍ المالكيُّ "أنهُ لا خلافَ بينَ المسلمينَ قاطبةً فقيهِهِم ومحدِثِهِم ومتكلِمِهِم ونُظارِهم ومُقلِّدهم أن الظواهرَ الواردةَ بذكرِ اللهِ في السماءِ كقولِهِ تعالى {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} ونحوِهِ ليسَ على ظاهرِها بل متأولةٌ عندَ جميعهِم".

وعلى هذا كان أئمةُ الإسلامِ وبحورِ العلمِ ك
الإمامِ ابنِ الجوزيّ الحنبليّ حيثُ يقولُ في كتابِهِ المدهشِ ـ طبعةُ دار الجيل ص/131 "وإنما تُضربُ الأمثالُ لمن له أمثالٌ، كيفَ يقالُ له كيفٌ، والكيفُ في حقِهِ مُحالٌ، أنَّى تتخيلُهُ الأوهامُ وكيفَ تجدُهُ العقول".  ويقول "ما عرفَهُ مَن كيّفَهُ، ولا وحدَّهُ مَن مثَّلَهُ، ولا عبدَهُ مَن شبَّهه، المشبِّهُ أعشى والمُعطِّلُ أعمى".

وقد اتفقَ السلفُ والخلفُ على أن منِ اعتقدَ أن اللهَ في جهةٍ فهو كافرٌ كما صرحَ به العراقيُّ، وبهِ قالَ أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ وأبو الحسن الأشعريُّ والباقلانيُّ كما ذكرَ ذلكَ مُلاّ عليّ القاريُّ في شرحِ المِشكاةِ 3/300 ـ طبعةُ دارِ الفكرِ ـ وعلى هذا علماءُ الإسلامِ سلفًا وخلفًا وهذهِ عقيدةُ المسلمينَ في بلادِ الحجازِ وأندونيسيا وماليزيا والهندِ وبنغلادش والباكستانِ وتركيا والمغربِ العربيِّ، وبلادِ الشامِ ومصرَ واليمنِ والعراقِ والسودانِ وإفريقيا وداغستانَ والشيشانِ وبُخارى وجُرجانَ وسمرقَندَ وغيرِها، فالمسلمونَ يعتقدونَ أن اللهَ موجودٌ بلا مكانٍ ولا جهةٍ ولا كيفٍ، وأما الوهابيةُ فإنهم يعتقدونَ التشبيهَ والتجسيمَ في حقِّ اللهِ تعالى كما سترى بعينكَ الألفاظَ القبيحةَ المستهجَنَةَ التي يستعملونَها والتي سوفَ تُدرِكُ بها بعدَ اطلاعكَ على كاملِ هذا البحثِ تشابُهَ عقيدةِ وفكرِ اليهودِ والوهابيةِ، بل وعلى عينِ الألفاظِ في نسبةِ القعودِ والجلوسِ والحركةِ والسكونِ والأعضاءِ والجوارحِ والصوتِ والفمِ إلى اللهِ والعياذُ باللهِ تعالى.

New Page 2
New Page 2